ابن أبي مخرمة

534

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

1214 - [ ذو النون ] « 1 » أبو الفيض ثوبان ، وقيل : الفيض بن إبراهيم المصري ، المعروف بذي النون ، الولي الكبير ، أحد رجال الطريقة علما وورعا وحالا وأدبا ، كان أبوه نوبيا . قيل : سبب توبته أنه خرج من مصر إلى بعض القرى ، فنام في بعض الصحارى وانتبه ؛ وإذا بقنبرة عمياء سقطت من وكرها ، فانشقت الأرض فخرج منها سكرجتان « 2 » : إحداهما ذهب ، والأخرى فضة ، وفي إحداهما سمسم ، وفي الأخرى ماء ، فجعلت تأكل من هذا ، وتشرب من هذا ، قال : فقلت : حسبي ، قد تبت ، ولزمت الباب إلى أن قبلني . وكان قد سعوا به إلى المتوكل ، فاستحضره من مصر ، فحبس أياما ، فأهدي إليه طعام من وجه حل ، فدخل به السجان إليه ، فامتنع من أكله ، فقيل له في ذلك ، فقال : طعام أتاني على مائدة ظالم - يعني يد السجان - فلا آكله . أو كما قال . ثم أخرج من السجن وأدخل على المتوكل ، فوعظه فبكى المتوكل ، وخرج من عنده مكرما ، فاجتمع إليه الصوفية بجامع بغداد ، وحضر القوال واستأذنوه في السماع فأنشد : [ من مجزوء الوافر ] صغير هواك عذبني * فكيف به إذا احتنكا وأنت جمعت من قلبي * هوى قد كان مشتركا فتواجد ذو النون وسقط ، فانشج رأسه ، وكان يقطر منه الدم ولا يقع على الأرض ، فقام شاب يتواجد ، فقال ذو النون : الذي يراك حين تقوم ، فقعد الشاب . ومن كلام ذي النون : من علامة المحبة للّه تعالى متابعة حبيب اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسننه . وسئل عن التوبة فقال : توبة العوام من الذنوب ، وتوبة الخواص من الغفلة . وكان المتوكل يقول : إذا ذكر أهل الورع . . فحيهلا بذي النون .

--> ( 1 ) « حلية الأولياء » ( 9 / 331 ) ، و « تاريخ بغداد » ( 8 / 393 ) ، و « الرسالة القشيرية » ( ص 54 ) ، و « وفيات الأعيان » ( 1 / 315 ) ، و « سير أعلام النبلاء » ( 11 / 532 ) ، و « تاريخ الإسلام » ( 18 / 265 ) ، و « مرآة الجنان » ( 2 / 149 ) ، و « البداية والنهاية » ( 10 / 799 ) ، و « طبقات الصوفية » للمناوي ( 1 / 597 ) ، و « شذرات الذهب » ( 3 / 206 ) . ( 2 ) السكرجة : الصفحة التي يوضع فيها الأكل .